فخر الدين الرازي

154

تفسير الرازي

المسألة الرابعة : اختلفوا في معنى شياطين الإنس والجن على قولين : الأول : أن المعنى مردة الإنس والجن ، والشيطان ؛ كل عات متمرد من الإنس والجن ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة وهؤلاء قالوا : إن من الجن شياطين ، ومن الإنس شياطين ، وإن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس ، وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه ، والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر : " هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس ؟ " قال قلت : وهل للإنس من شياطين ؟ قال : " نعم هم شر من شياطين الجن " . والقول الثاني : أن الجميع من ولد إبليس إلا أنه جعل ولده قسمين ، فأرسل أحد القسمين إلى وسوسة الإنس . والقسم الثاني إلى وسوسة الجن ، فالفريقان شياطين الإنس والجن ، ومن الناس من قال : القول الأول أولى لأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين ، ومنهم من يقول : القول الثاني أولى ، لأن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن . والإضافة تقتضي المغايرة ، وعلى هذا التقدير : فالشياطين نوع مغاير للجن وهم أولاد إبليس . المسألة الخامسة : قال الزجاج وابن الأنباري : قوله : * ( عدواً ) * بمعنى أعداء وأنشد ابن الأنباري : إذا أنا لم أنفع صديقي بوده * فإن عدوي لن يضرهمو بغضي أراد أعدائي ، فأدى الواحد عن الجمع ، وله نظائر في القرآن . ومنها قوله : * ( ضيف إبراهيم المكرمين ) * ( الذاريات : 24 ) جعل المكرمين وهو جمع نعتاً للضيف وهو واحد ، وثانيها : قوله : * ( والنخل باسقات لها طلع ) * ( ق : 10 ) وثالثها : قوله : * ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) * ( النور : 31 ) ورابعها : قوله : * ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ) * ( العصر : 2 ) وخامسها : قوله : * ( كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل ) * ( آل عمران : 93 ) أكد المفرد بما يؤكد الجمع به ، ولقائل أن يقول لا حاجة إلى هذا التكلف ، فإن التقدير : وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدواً واحداً ، إذ لا يجب لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد . أما قوله تعالى : * ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ) * فالمراد أن أولئك الشياطين يوسوس بعضهم بعضاً . واعلم أنه لا يجب أن تكون كل معصية تصدر عن إنسان فإنها تكون بسبب وسوسة شيطان ، وإلا لزم دخول التسلسل أو الدور في هؤلاء الشياطين ، فوجب الاعتراف بانتهاء هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول ، ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة شيطان آخر .